السيد عباس علي الموسوي

334

شرح نهج البلاغة

ولد إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل أولاد الخليل إبراهيم فإن أحوالكم تعادل أحوالهم وأنتم أقرب إليهم شبها ومثلا فإنهم كانوا مجتمعين متفقين في أول أمرهم ثم أصابهم التشتت والتفرق وأشار إلى وجه العبرة بقوله عليه السلام : ( تأملوا أمرهم في حال تشتتهم وتفرقهم ليالي كانت الأكاسرة والقياصرة أربابا لهم يحتازونهم عن ريف الآفاق وبحر العراق وخضرة الدنيا إلى منابت الشيح ومهافي الريح ونكد المعاش ) انظروا في أمرهم وما صاروا إليه عندما توزعوا وتفرقوا ولم تجتمع كلمتهم أو تتوحد صفوفهم ، لقد صارت أكاسرة الفرس وقياصرة الروم هي المالكة لأمورهم والمتصرفة في شؤونهم يمارسون عليهم الحرمان ويمنعونهم حقوقهم إنهم يدفعونهم عن منافعهم وما يوفر لهم طيب العيش ورغد الحياة . . ويمنعونهم عن خصب الأرض وخضرتها وعن الاستفادة من ماء العراق الذي يحوياه دجلة والفرات وعن لذة الدنيا وطيباتها . . . إنهم أضحوا يدفعونهم إلى الصحراء القاحلة التي ليس فيها إلا الشيح الذي لا تأكله إلا الحيوانات وحيث الريح التي تهب فتلفح الوجوه بقساوتها . . . إنها الصحراء بضيقها وبخلها وقلة عطائها قد قذفوهم إليها . . . ( فتركوهم عالة مساكين إخوان دبر ووبر أذل الأمم دارا وأجدبهم قرارا لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها ولا إلى ظل ألفة يعتمدون على عزها ) تركوهم دارويش مساكين لا يملكون شيئا من الدنيا . . . إنهم في ضيق عيش شديد ليس لهم إلا جمال مقروحة مهزولة يتعيشون بها وبوبرها وهي حالة البائسين الذين لا يملكون النعم السمينة . . . ووصف دارهم بأنها أذل دار الأمم حيث كانت تتناوشهم الأمم المجاورة لهم وتقصد غزوهم وتشن عليهم الحروب . كما أن هذه الدار جرداء قاحلة جدباء ليس فيها إلا بعض الأعشاب التي تجود بها هذه الصحراء إن جاءت عليها السماء بقطرها ومطرها . ثم بيّن أنهم ليس لهم دعوة إذا دعوا بها اعتزوا وانتصروا وقدروا بها على الامتناع من الشر والإثم كما أنهم لا يملكون الوحدة الجامعة التي يعتمدون عليها في مواجهة الغزاة والمحتلين ومن يقصدهم بشر ، ليس لهم هذه الوحدة التي يعتزون بها ويستريحون إلى ظلها . ( فالأحوال مضطربة والأيدي مختلفة والكثرة متفرقة في بلاء أزل وأطباق جهل من بنات موؤودة وأصنام معبودة وأرحام مقطوعة وغارات مشنونة ) هذا بيان لحالهم يومذاك وكونهم على غير نظام فشئونهم مضطربة لا استقرار فيها ولا ثبات لم يجتمعوا على رأي